العيني

81

عمدة القاري

مسلم أيضاً عن إسحاق بن منصور الكوسج عن أبي أسامة . قلت : إسحاق المذكور هنا لا يخرج عن أحد الثلاثة ، ويترجح أن يكون إسحاق بن راهويه لكثرة روايته عنه ، وقد حكى الجياني عن سعيد بن السكن الحافظ : أن ما كان في كتاب البخاري عن إسحاق غير منسوب فهو ابن راهويه ، وهو : بالهاء والواو المفتوحتين والياء آخر الحروف الساكنة ، وهو المشهور ، ويقال أيضاً : بالهاء المضمومة وبالياء أخر الحروف المفتوحة ، وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام ، أبو يعقوب الحنظلي المروزي ، سكن نيسابور ، وقال عبد اللَّه بن طاهر له : لِمَ قيل لك ابن راهويه ؟ قال : إعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة ، فقال المراوزة : راهوي ، لأنه ولد في الطريق ، وهو بالفارسية : راه ، وهو أحد أركان المسلمين ، وعلم من أعلام الدين ، مات بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين ، قلت : يحتمل أن يراد به إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري ، بالخاء العجمة ، نزيل المدينة ، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، أو : إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج المروزي ، مات عام أحد وخمسين ومائتين ، إذ البخاري في هذا الصحيح يروي عن الثلاثة عن أبي أسامة ، قال الغساني في كتاب ( تقييد المهمل ) إن البخاري إذا قال : حدثنا إسحاق ، غير منسوب ، حدثنا أبو أسامة ، يعني به أحد هؤلاء الثلاثة ، ولا يخلو عن أحدهم . قاعٌ يَعْلُوهُ الماءُ ، والصَّفْصَفٌ المُسْتَوي منَ الأرض لما كان في الحديث لفظ : قيعان ، أشار بقوله : ( قاع يعلوه الماء ) إلى شيئين : أحدهما : أن قيعان ، المذكورة واحدها : قاع . والآخر : أن القاع هي الأرض التي يعلوها الماء ولا يستقر فيها ، وذكر : الصفصف ، معه بطريق الاستطراد ، لأن من عادته تفسير ما وقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن ، ووقع في القرآن : * ( قاعا صفصفا ) * ( طه : 106 ) قال أكثر أهل اللغة : الصفصف المستوي من الأرض ، مثل ما فسره البخاري ، وقال ابن عباد الصفصف ، حرف الجبل . ووقع في بعض النسخ : والمصطف المستوي من الأرض ، وهو تصحيف . ثم قوله : قاع . . . إلى آخره ، إنما هو ثابت في رواية المستملي ، وفي رواية غيره ليس بموجود . 21 ( ( باب رفْعِ العِلْمِ وظُهُورِ الجَهْلِ ) ) أي : هذا باب في بيان رفع العلم وظهور الجهل ، وإنما قال : وظهور الجهل ، مع أن رفع العلم يستلزم ظهور الجهل ، لزيادة الإيضاح . ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول : فضل العالم والمتعلم ، وفيه الترغيب في تحصيل العلم والإشارة إلى فضيلة العلم ، وهذا الباب فيه ضد ذلك ، لأن فيه : رفع العلم المستلزم لظهور الجهل ، وفيه التحذير وذم الجهل وبالضد تتبين الأشياء . وقال رَبيعَةُ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ . ربيعة : هو المشهور بربيعة الرأي ، بإسكان الهمزة ، إنما قيل له ذلك لكثرة اشتغاله بالرأي والاجتهاد ، وهو ابن أبي عبد الرحمن فروخ ، بالفاء والراء المشددة المضمومة وبالخاء المعجمة ، المدني التابعي الفقيه ، شيخ مالك بن أنس ، روى عنه الأعلام منهم أبو حنيفة . توفي سنة ست وثلاثين ومائة بالمدينة ، وقيل : بالأنبار ، في دولة أبي العباس . فإن قلت : ما وجه مناسبة قول ربيعة هذا للتبويب في رفع العلم ؟ قلت : من كان له فهم وقبول يلزمه من فرض العلم ما لا يلزم غيره ، فينبغي أن يجتهد فيه ولا يضيع علمه فيضيع نفسه ، فإنه إذا لم يتعلم أفضى إلى رفع العلم ، لأن البليد لا يقبل العلم ، فهو عنه مرتفع . فلو لم يتعلم الفهم لارتفع العلم عنه أيضاً ، فيرتفع عموماً ، وذلك من أشراط الساعة . ويقال : معنى كلام ربيعة : الحث على نشر العلم ، لأن العالم في قومه إذا لم ينشر علمه ، ومات قبل ذلك ، أدى ذلك إلى رفع العلم وظهور الجهل ، وهذا المعنى أيضاً يناسب التبويب . ويقال : معناه : أنه لا ينبغي للعالم أن يأتي بعلمه أهل الدنيا . ولا يتواضع لهم إجلالاً للعلم . فعلى هذا فالمعنى في مناسبة التبويب ما يؤدي إليه من قلة الاشتغال بالعلم والاهتمام به لما يرى من ابتذال أهله وقلة الاحترام لهم . قوله : ( أن يضيع ) وفي بعض النسخ : يضيع ، بدون : أن ، معناه ، بأن لا يفيد الناس ولا يسعى في تعليم الغير ، وقد قيل : * ومن منع المستوجبين فقد ظلم * وقال التيمي :